فخر الدين الرازي

6

تفسير الرازي

إلى الركوب ، وحمل الشيء عليه ، وفي البغال دون ، وفي الحمار دون البغال ، فالبغال كالمتوسط في المعاني الثلاثة ، وحينئذ يلزم أن يكون الحمار في معنى الحمل أظهر وأغلب بالنسبة إلى الخيل والبغال ، وغيرهما من الحيوانات ، ومنها : أن هذا التمثيل لإظهار الجهل والبلادة ، وذلك في الحمار إظهر ، ومنها : أن في الحمار من الذل والحقارة مالا يكون في الغير ، والغرض من الكلام في هذا المقام تعيير القوم بذلك وتحقيرهم ، فيكون تعيين الحمار أليق وأولى ، ومنها أن حمل الأسفار على الحمار أتم وأعم وأسهل وأسلم ، لكونه ذلولاً ، سلس القياد ، لين الانقياد ، يتصرف فيه الصبي الغبي من غير كلفة ومشقة . وهذا من جملة ما يوجب حسن الذكر بالنسبة إلى غيره ومنها : أن رعاية الألفاظ والمناسبة بينها من اللوازم في الكلام ، وبين لفظي الأسفار والحمار مناسبة لفظية لا توجد في الغير من الحيوانات فيكون ذكره أولى . الثاني : * ( يحمل ) * ما محله ؟ نقول : النصب على الحال ، أو الجر على الوصف كما قال في " الكشاف " إذا الحمار كاللئيم في قوله : ولقد أمر على اللئيم يسبني * ( فمررت ثمة قلت لا يعنيني ) الثالث : قال تعالى : * ( بئس مثل القوم ) * كيف وصف المثل بهذا الوصف ؟ نقول : الوصف وإن كان في الظاهر للمثل فهو راجع إلى القوم ، فكأنه قال : بئس القوم قوماً مثلهم هكذا . ثم إنه تعالى أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الخطاب لهم وهو قوله تعالى : * ( قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُواْ إِن زَعمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْديهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ باِلظَّالِمِينَ ) * . هذه الآية من جملة ما مر بيانه ، وقرئ : * ( فتمنوا الموت ) * بكسر الواو ، و * ( هادوا ) * أي تهودوا ، وكانوا يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه ، فلو كان قولكم حقاً وأنتم على ثقة فتمنوا على الله أن يميتكم وينقلكم سريعاً إلى دار كرامته التي أعدها لأوليائه ، قال الشاعر : ليس من مات فاستراح بميت * إنما الميت ميت الأحياء فهم يطلبون الموت لا محالة إذا كانت الحالة هذه ، وقوله تعالى : * ( ولا يتمنونه أبداً بما قدمت أيديهم ) * أي بسبب ما قدموا من الكفر وتحريف الآيات ، وذكر مرة بلفظ التأكيد * ( ولن